فخر الدين الرازي

224

تفسير الرازي

في الدنيا وأشد التهويل في الآخرة ، ثم قال القفال : فهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه وإن كانت الآثار غير واردة به . المسألة الثانية : احتج من جوز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية ، فقال : إن ذلك الاستعجال إن كان بإذن الله تعالى فكيف نهاه عنه وإن كان لا بإذن الله تعالى فقد صدر الذنب عنه الجواب : لعل ذلك الاستعجال كان مأذوناً فيه إلى وقت النهي عنه ، ولا يبعد أن يكون الشيء مأذوناً فيه في وقت ثم يصير منهياً عنه في وقت آخر ، ولهذا السبب قلنا : يجوز النسخ . المسألة الثالثة : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه حفظ التنزيل وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل مخافة أن لا يحفظ ، فأنزل تعالى : * ( لا تحرك به لسانك ) * أي بالوحي والتنزيل والقرآن ، وإنما جاز هذا الإضمار وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه ، كما أضمر في قوله : * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * ( القدر : 1 ) ونظير قوله : * ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) * ( طه : 114 ) وقوله : * ( لتعجل به ) * أي لتعجل بأخذه . أما قوله تعالى : * ( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ) * . ففيه مسائل : المسألة الأولى : كلمة على للوجوب فقوله : إن علينا يدل على أن ذلك كالواجب على الله تعالى ، أما على مذهبنا فذلك الوجوب بحكم الوعد ، وأما على قول المعتزلة : فلأن المقصود من البعثة لا يتم إلا إذا كان الوحي محفوظاً مبرأ عن النسيان ، فكان ذلك واجباً نظراً إلى الحكمة . المسألة الثانية : قوله : * ( إن علينا جمعه ) * معناه علينا جمعه في صدرك وحفظك ، وقوله : * ( وقرآنه ) * فيه وجهان أحدهما : أن المراد من القرآن القراءة ، وعلى هذا التقدير ففيه احتمالان أحدهما : أن يكون المراد جبريل عليه السلام ، سيعيده عليك حتى تحفظه والثاني : أن يكون المراد إنا سنقرئك يا محمد إلى أن تصير بحيث لا تنساه ، وهو المراد من قوله : * ( سنقرئك فلا تنسى ) * ( الأعلى : 6 ) فعلى هذا الوجه الأول القارئ جبريل عليه السلام ، وعلى الوجه الثاني القارئ محمد صلى الله عليه وسلم والوجه الثاني : أن يكون المراد من القرآن الجمع والتأليف ، من قولهم : ما قرأت الناقة سلاقط ، أي ما جمعت ، وبنت عمرو بن كلثوم لم تقرأ جنيناً ، وقد ذكرنا ذلك عند تفسير القرء ، فإن قيل : فعلى هذا الوجه يكون الجمع والقرآن واحداً فيلزم التكرار ، قلنا : يحتمل أن يكون المراد من الجمع جمعه في نفسه ووجوده الخارجي ، ومن القرآن جمعه في ذهنه وحفظه ، وحينئذ يندفع التكرار . قوله تعالى * ( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ) * . فيه مسألتان : المسألة الأولى : جعل قراءة جبريل عليه السلام قراءته ، وهذا يدل على الشرف العظيم لجبريل عليه السلام ، ونظيره في حق محمد عليه الصلاة والسلام * ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) * ( النساء : 80 ) .